صناعة الخوف. الهيستيريا الجماعية... كتبه د.حبيب مونسي.

صناعة الخوف. الهيستيريا الجماعية...
كتبه حبيب مونسي.
===
يذكر قاموس مصطلحات العلوم الاجتماعية أن "الهستيريا" خلل عصبي يتصف بالتفكك في الأفكار، والقابلية المرتفعة للتأثر بالإيحاء الذاتي. كما يصاحبه ضروب مختلفة ومتغايرة من الاضطرابات ذات المنشأ النفسي، وغير ذلك من الأعراض العقلية، والتقلب الانفعالي، وتفكك محتوى الشعور. " ص: 263. كما يذكر المعجم الموسوعي في علم النفس، أن الهستيريا: " تتخذ أشكالا مختلفة وفق إطار الحياة والوسط الثقافي الذي تظهر فيه، وتنمو بسرعة أو تميل على العكس إلى أن تكون مقموعة، وفق درجة تسامح المحيط، أو عدم تسامحه" ص:2682. وعلم النفس مثل علم الاجتماع حينما يعالج مسألة الهستيريا ينظر إليها في إطار الفرد باعتبارها مرضا فرديا، يحمله الفرد في جسده، وأفعاله، وأقواله، وتخيلاته. غير أننا حينما نفحص الواقع، وندقق في العناصر المكونة لتعريف الهستيريا في المعاجم المختصة، نجد تجاوزا لدائرة الفرد إلى حلقة المجتمع، وكأن الهستيرا لابد وأن تكون مرضا جماعيا، يتسم بالعدوى التي تنتقل من فرد إلى آخر عبر ما وصفه التعريف من اختلال عصبي، وتفكك في الأفكار، وقابلية عالية للتأثر والتبعية.
إن الواقع العالمي اليوم يكشف عن هذه الأعراض كشفا صريحا في كل التمظهرات التي تجسدها الجماعات على اختلاف درجات تكوينها وانتماءاتها. ويكفي أن نقف في مدرجات ملعب لكرة القدم، ونستمع للهتافات التي قد تبدأ بواحد يرفع الصوت بها، ثم تستشري في الجماعة كما تستشري النار في الهشيم فترددها الحناجر من غير أن تتأكد من محتواها، أو تتبين هدفها الذي من أجله خرجت أول مرة. وكذلك الشأن بالنسبة للشائعات التي تعلق بالأفراد أو الجماعات أو الحكومات في ظل الأزمات، أو الجائحات. كما نشهده اليوم في ظل وباء الكورونا، حينما صار حديث العالم المختص لا يبتعد كثيرا عن حديث رجل الشارع البسيط الذي لا يعرف كيف يؤلف بين ما يسمع وبين ما يشاهد. وقد عملت الوسائط الاجتماعية اليوم على صناعة وتأجيج هذه الهيستيريا ورفعها إلى مستويات قصوى من الشدة والتاثير، حتى غدت طعام الناس وشرابهم في كل حين.
وقديما جسد الشاعر "أحمد شوقي" رحمه الله، في مسرحية «مصرع كليوباترا» هذه الحالة الغريبة التي تعبِّر عن اختلال وتفكك في الأفكار، ولكنها تتوحد في الهتاف الجماهيري التابع الذي يردد صدى ما يُلقى إليه من أقوال، وشعارات، وعبارات.. يقول "أحمد شوقى" على لسان «حابى":
اسمع الشعب دُيُونُ كيف يوحون إليه
ملأ الجو هتافاً بحياتَىْ قاتليه
أثّر البهتان فيه وانطلى الزور عليه
يا له من ببغاء عقله فى أذنيه!
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏جلوس‏ و‏نظارة‏‏‏‏

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل