كيف نتعرف على القصة القصيرة جدا الجيدة ؟/ بقلم المبدعة: مريم بغيبغ

نقلا عن جريدة معارج الفكر

الحلقة الأولى

إن كثيرا من القصص القصيرة جدا التي كتبها الكتاب العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، جعلتنا نشهد ميلاد قصة قصيرة جدا واعية بشروط الجنس ، تجاوزت تلك القصة القصيرة جدا التي ولدت مع جبران خليل جبران وفاروق مواسي ، وزكريا ثامر ، ومحمد الحاج صالح ، وعزت السيد أحمد ، وعدنان محمد ، وفوزية جمعة ، شكري الطيار وابراهيم سبتي …إلخ من الرواد الذين ذكرهم الناقد “هيثم بهنام بردي” في كتابه القصة القصيرة جدا : المجموعات القصصية (1989-2008) الصادر بدمشق سوريا سنة 2011. وأصبحنا نعرف ماهي القصة القصيرة جدا من خلال الدراسات النقدية لمجموعة من النقاد العرب أمثال : أحمد جاسم الحسين في “كتابه القصة القصيرة جدا” ، ومحمد محي الدين مينو في كتابه” فن القصة القصيرة” ، ويوسف حطيني في كتابه “القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق”، وجاسم خلف إلياس في كتابه “شعرية القصة القصيرة جدا ” وعبد السلام الدائم السلامي في كتابه “شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا” وجميل حمداوي في كتابه “القصة القصيرة جدا بالمغرب المسار والتطور” …إلخ من الكتب المنشورة والدراسات التي تناولت القصة القصيرة جدا من حيث التجنيس والتأصيل، ولكن لم نشهد ثورة حقيقية للتعريف بهذا الجنس الذي أصر على وصفه بالعصي إلا مع مواقع التواصل الاجتماعي التي أظهرت- من خلال روابط أدبية تهتم بهذا الجنس -العديد من الأسماء الحقيقية التي ساهمت وبقوة في إعطاء المتلقي الصورة المتكاملة له إما نقدا وإما إبداعا نذكر منهم : د محمد ياسين صبيح ود مسلك ميمون و الدكتور زهير سعود والرائد حسن برطال والأستاذ أحمد طنطاوي و الأستاذ محمد الميالي والأستاذ عباس عجاج والكاتبة جمانة العامود والأستاذ ساجد المسلماوي والشاعر نظام صلالح والكاتبة إيمان السيد و الشاعرة القاصة رفاء صائب والكاتب بسام الأشرم والكاتب صقر حبوب …وغيرهم الكثير من الذين نستطيع أن نقيس على مقولاتهم ونصوصهم ، ونعرف من خلالهم ماهو النص القصصي القصير جدا الجيد ، فهو نص اختزالي لنص حكائي ، يمتاز بقصر الحجم ، والإيحاء المكثف ، و خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب ، يوظف الجمل القصيرة التي تتميز بالحركية ، له سمات خاصة تتمثل في الحذف والإضمار ، يتجاوز السرد المباشر إلى ما هو بياني ومجازي ، ويحدث لدى المتلقي المفارقة والإدهاش والإرباك …إلخ. وفي هذه الدراسة سوف نقف على أهم الخصائص التي يجب أن تتوفر عليها النصوص القصصية القصيرة جدا ، خاصة التي أشار إليها الكاتب المغربي جميل حمداوي في كتابه “القصة القصيرة جدا المكونات والسمات ” لكي نقول عنها أنها جيدة . أولا : المعيار المناصي في قصة “وطاويط” للقاص الجزائري بغيبغ عبد النعيم . المعيار المناصي وهو عبارة عن مبحث يتشكل من خلال: مقياس العنوان ومقياس الانفتاح التجنيسي. النص/ وطاويط اقتاتوا من عشب الغواية فأخرجوا ، تاهوا في الأرض ، لملمتهم كهوف السكينة ، وكلما اطلوا من الشرفات ، ترصدتهم قرون الشياطين . إن القصة القصيرة جدا جنس أدبي حداثي اختزالي ذات بعد سردي مكثف مقتضب، تمتاز بقصر حجمها ولكن هذا القصر لم يمنعها من مواكبة القضايا الموضوعية الجادة كالقضايا الوطنية والقومية …. بل استطاعت برمزيتها العالية وخاصية التلميح واستعمال النفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر المضطرب، أن تتحدث عن مشاكل الأمة وتكسير الطابوهات الدينية والأخلاقية والسياسية. ونراها اليوم تتأثر بما يحدث في العالم … وتواكب مثلها مثل الأجناس الأدبية الأخرى انتشار وباء كورونا كوفيد-19- القاتل في الوطن العربي وخطره على الاقتصاد والإنسان، أحيانا بطريقة ساخرة تهكمية ، وأحيانا عن طريق البلاغة والإيحاء والرمز والتناص، ومن بين الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع نجد القاص الجزائري بغيبغ عبد النعيم في قصته “وطاويط”.

 

أ/مقياس العنوان /وطاويط: استخدم الكاتب هذا العنوان ليثير الصدمة في نفسية القارئ ، فالكاتب لا يعني بالوطاويط الخفافيش التي مفردها الخفاش : وهو جنس حيوان لبُون من فصيلة الخفاشيّات موطنه البلاد المعتدلة الحرارة، جسمه ربع القدّ، يشبه الفأرة، عيناه مستديرتان يحجبهما الهُدْب والوَبر، وهما صغيرتان جدًّا، يألف البيوت والمغاور والكهوف ويعيش جماعات، يطير في الليل ويتغذي بالحشرات أو بالثمر وهو بالإجمال نافع، لأنه يلتهم الهوامّ والحشرات، وإنما هو يلمح إلى شي آخر فالرجل الوطواط أيضا هو الرجل الجبان ضَعِيفٌ الرَّأْيِ…وهذا مايريده الكاتب إذا تأملنا ماجاء في المتن ، فالوطاويط هم أفراد المجتمعات الجبانة الضعيفة التي ليست لها آراء حكيمة لتجاوز الأزمات وهذا ما ينطبق على المجتمعات العربية التي اختارت الهروب من الموت /كورونا كوفيد-19- بدل البحث عن حلول شافية كالبحث عن حل عاجل للأزمة، أوتشكيل خلية أزمة والاعتماد على الأدمغة لتمويل البحوث الخاصة لأجل الوصول إلى دواء هذا الوباء….فـ”اقتاتوا من عشب الغواية فأخرجوا” في هذا الاستهلال يبدأ القاص بتعريف الوطاويط، فهم قوم تبع تنصلوا عن تاريخهم وخلعوا إيمانهم واتبعوا الحضارة الغربية الزائفة، والنتيجة أنهم” تاهوا في الأرض” والتيه في الأرض عقاب الله لليهود لبغيهم وفسادهم وسوء أخلاقهم… …فـ” لملمتهم كهوف السكينة” وفي هذا يربط القاص بين كهف أهل الكهف وبيوت هؤلاء الوطاويط، غير أن أصحاب الكهف فرُّوا بدينِهم من ملك ظالم في مدينتهم فعبد الأصنام وعبَّدَ قومه، فانصرفَ هؤلاء الفتية عنه إلى كهفٍ خارج المدينةِ فارّين بدينهم..أما كهوف الوطاويط فهي منازل هربوا إليها فارين من الموت خائفين من الإصابة بهذا الوباء …”وكلما اطلوا من الشرفات ، ترصدتهم قرون الشياطين ” وتأتي الخرجة كما يسميها الناقد المغربي “مسلك ميمون” لتكسر أفق انتظار المتلقي الذي كان ينتظر انتهاء هذا الجبن وهذا الضعف من الرجال الوطاويط والتصدي لهذا الوباء، ولكن للأسف هم مازالوا ينتظرون الحلول من الخارج وتراهم من وقت لآخر يطلون من شرفات الكهوف /المنازل فتترصدهم أخبار الموتى من هذا الوباء الذي رمز له بـقرون الشياطين /وهذا لان هذا الوباء عرف أيضا بالفيروس التاجي لتميزه بسلسلة من النتوءات على سطحه تجعله شبيها بالتاج. إن عنوان هذا النص له علاقة بمضمون النص وهذا من خلال التأويلات التي رصدناها له والانسجام الذي حققه مع النص . ب/مقياس الانفتاح التجنيسي :فالانفتاح التجنيسي من أهم خاصيات القصة القصيرة جدا ، فرغم أن النص القصصي قصير جدا،إلا أنه يستوعب الكثير من الأجناس الأدبية والفنون المجاورة ففي قصة وطاويط ..نجد اشتغال الكاتب على اللغة الموحية وتوظيف التوتر الدرامي وتوظيف الرموز المكثفة مثل قوله : عشب الغواية، كهوف السكينة، قرون الشياطين… ثانيا /المعيار التفاعلي :إن قصة وطاويط للكاتب بغيبغ عبد النعيم حبلى بالمستنسخات التناصية ، والإحالات المعرفية الدالة على الذاكرة المنسية ، وقد تعامل الكاتب مع المستنسخ الديني من خلال إحالته لقصة غواية سيدنا آدم وقصة أصحاب الكهف من خلال قوله: “عشب الغواية” فهي تحيل فكر المتلقي مباشرة إلى قصة أصل الغواية غواية سيدنا آدم ، وفي قوله :”كهوف السكينة” التي تحيل القارئ إلى قصة أصحاب الكهف، ونلاحظ أن آلية الكاتب في الاستنساخ هي آلية إبداعية تنم عن مرجعية الكاتب الثقافية الغنية والزاخرة بالمعلومات الدينية وتحكمه بالتقنيات الفنية والأدبية، وهذا ما يجعله من الكتاب الذين يتميزون برؤية ثقافية منفتحة وواسعة ومتميزة…يتبع.latifa_aldlimy

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل