رواية رسل السلام الفصل الثامن- الجزء الأخير / هاني أبوانعيم

رواية رسل السلام
هاني أبوانعيم
الفصل الثامن- الجزء الأخير

لم أعرف كيف أنصرف، شعرت بدوار فظيع، رأسي يتصدع، كأن صخرة سقطت عليه من السماء، عيناي باتجاه البحر، والأمواج تزحف، تكاد تجذبني في جزرها، الرمال تحت قدمي وبعض جسدي، عقارب تلسعني، المقعد أرجوحة سريعة، تلعب بي، تدور، وتدور وقلبي يهوي. الأرض هي الأخرى تنشق، وتبتلعني،.. صداع.. صداع.. صداع، ساقاي ترتجفان، جسدي كله يرتعش.. صفعات.. قبضات تلكمني في كل مكان، على رأسي ووجهي.. الدم يتدفق حارا من أنفي. سياط تجلد جسدي العاري، وأنا.. ضعيف.. عاجز، واهن، لا أقدر على أية حركة، هي تقدر علي.. تهزني.. تخضني.. وأرى الشاطيء يدور.. يدور بي ويدور، ولا أستطيع وقف أنفاسي المتلاحقة. عيناي حائرتان، زائغتان، لا تقويان على التفريق ما بين أمواج البحر وأمواج الرمل. والشمس في وسط السماء، كانت هناك، عند جلوسنا، وقد أصبحت الآن فوق راسي، رغم المظلة، تصب أشعتها الحالكة في عيني، وأنا تائه في هذا الظلام الدامس، في عز الظهيرة.
ضجيج العالم وصخب الموج يتجمع ليطن في أذنيّ . رعشة تهزني، أتحسس عنقي، أكاد أختنق، جسدي ينزف كحبة ليمون مضغوطة.. صداع.. ألم.. دوار.. رجفة.
معلق ما بين السماء والأرض أنا، قدماي مربوطتان بالشمس، ورأسي يكنس الرمل وقاذورات الشاطئ.. لساني ثقيل، أسناني تصطك، أرجف من غير برد وجسدي يعتصر.. تحاملت على نفسي، لا بد أن هناك بقية من قواي ترفعني من على الكرسي، وتحركني بعيد ا عن هذا المكان. أستجمع ما تبقى، يسندني ذراعي والطاولة من جهة، ومن الجهة الثانية، ذراعي الآخر وعمود المظلة. التفت يمين ا ويسارا..أشباح.. ضباب.. ظلام.. لن يراني أحد وأنا على هذا الحال، فالأشباح والضباب والظلام في عيني وحدي، والضجيج، وألام اللكمات، ولسعات السياط، لن يشعر بها أحد سواي، فهم لا يرتدون جسدي، ولا يحملون قلبي.
خطوت باتجاه المبنى، وقدماي تخوناني، ستفضحان ضعفي، خلو المكان في هذه اللحظة، منحني جرعة نشاط، لكنني أترنح كمخمور، ساقاي العاريتان ترتطمان ببعض، كفتا قدمي تحرثان الرمل.
صعدت الدرجات، كنت أحسبها أربع فقط، وجدتها أكثر.. مئات.. آلاف. أزحف فوقها، جررت بعضي، لحقني الباقي، يد تتلمس الجدران، والأخرى تراقب قلبي يسقط من مكانه، رأسي يتأرجح فوق عنقي.. هذا هو باب غرفتها، مددت يدي المرتجفة، انزلقت تبحث عن قبضة لم تجدها، هي أيضا مثلي، لم تعد ترى، تحسست مرة أخرى، أمسكت.. مفتاح .. مفتاح، لم يكن في الباب، مفتاح من قبل، إذن هي جادة هذه المرة، القبضة فوق المفتاح بقليل، أدرتها انفتح الباب، لم أدفعه، اتكأت عليه بجسدي فانفتح، دخلت، انفرجت حدقتا عيني أكثر، لا زلت قادرا على الرؤية، سحبتْ غطاء خفيفا تغطي به جسدها العاري وانقلبت على بطنها، دفنت وجهها بالمخدة، لم تغط جسدها، سحبت الغطاء فقط، كومته تحت صدرها، وأدارت ظهرها، اندفعت رغما عن قدمي المقيدتين إغلق الباب خلفك..
خطوت داخل غرفتها.. هنا كانت ملابسي.. لا زلت أذكر.. وضعتها في هذا
المكان.. حسنين.. تعال أنا بانتظارك، تأخرت عليّ ..
فتشت عن ملابسي، قد تكون وضعتها في خزانتها الصغيرة، أبحث عنها بين ملابسها ألا تريد راحيلك الحلوة..؟ لا أستطيع الانتظار أكثر.. تعال
لا شك أنها مغمضة العينين.. حملت ملابسي، كيف أرد عليها؟ لساني لا يقوى على الكلام، تغيرت طريقة كلامها، حركة على السرير، عرفت أنها أخرجت وجهها المدفون من المخدة، أحاول أن أرتدي ثيابي، أرفع رجلي، لا تحتمل الأخرى جسدي، أحاول أن أدس الأخرى في مكانها في البنطال..
حسنين.. ماذا حدث ؟
لا شيء..
تعال، قل لي، ما بك ؟
انتصبت عارية من سريرها..
..أصبح ت بجانب الباب..
تعال يا حسنين..
مدت يدها تحاول إمساك ذراعي، لا تزال في ذراعي بعض من قوة، سحبتها بعيدا، فأنا لم أفقد كل شيء كما يبدو، أفلت ذراعي من يدها، واندفعت خارجا ، مترنحا ،مهزوما، سأحاول أن أبدو طبيعيا، على الأقل أمام السائق الذي سيحملني.. سأحاول.. لن أكون غريب ا بمنظري العاري وملابسي تحت إبطي، فأنا قادم من الشاطيء .
أغلقت باب الشقة خلفي، وقذفت بجسدي قربه في الصالة، وكأني نجوت من وحش يطاردني.. لو أنني أبكي.. أغسل الظلام من عيني، ولكن.. جفّت مياههما.. تبخرت على الشاطيء.. إذن أصرخ بصوتي، أقول.. ما أريد..
ما أريد..!أصرخ.. أقول ما يريدون
زحفت على الأرض، وصلت سريري، تناهضت، تعلقت بأطرافه، وألقيت بجسدي عليه.
طرقاتٌ على الباب، طرقات عديدة ومتسارعة.. من غيرها؟ راحيل بلا شك، كيف ستعرف أنني أتيت إلى هنا؟ حتى لو عرفت، لن أفتح الباب، وحش خلفه يطاردني، توقفت الطرقات، ولم تتوقف هزة الزلزال حولي، لا أزال أرتجف، رئتاي تطلبان المزيد من الهواء، وتفرغان اكثر، وأنفاسي صوتها مسموع.
لا زلت حيا، أقدر أن أتنفس، قد أكون نجوت من الوحش، حياتي حتى الان نجت، لم يزهق روحي، لكنه أصابني، مزقت مخالبه كبريائي، أنيابه، نهشت كرامتي، لم يلفظها، ستنزل مع برازه بعد حين، رجولتي، أفقدني إياها، ستشهد على ذلك راحيل، اعتزازي بنفسي.. شموخي..
أنا حسنين.. لقد انتهيت.. لقد مت.. آه لو أنني مت، لما شعرت بأني قميء إلى هذا الحد، هل أكون غير ما كنت أعتقد؟ وإلا لماذا حصل معي ما حصل؟
وقمت أبحث عن نفسي، أتفقد ملامحي، نظرت في المرآة.
هل أنا هذا الحسنين الذي كنت أعرفه دائما؟
قد يكون هو، ولم أكن أعرف، إنني أرى أمامي الوحش الذي لا يزال يطاردني، أنا الوحش الذي يلاحقني ويتعقبني في كل خطوة، حسنين.. التافه.. المغرور.. آه.. كنت مثارا لسخرية الجميع دون أن تعلم.
أنت الغبي الوحيد في هذه المجموعة كلها، عامر وأصدقاؤه، فهمي، صديقه.. راحيل، أصدقاؤها.. البحر، وحيفا، وقبلهم أيضا، هذا هو أنت؟
خنفسة صغيرة، مقرفة، أشفقا على أحذيتهما أن تدوسك، وهما رفيقا رحلتك وإقامتك لشهور عديدة. أحدهما، وشى به أصدقاؤه، لا بد من أجل مصلحته، حتى لا يرى ما أراه الآن. والآخر، أدت به عزلته إلى الجنون، هذا ما أعتقدت وفاخرت به أمامهم على الشاطيء، ليروا بأنني الوحيد الذي لا عيب
بي. آه.. ما أحوجني إلى جنونك يا فهمي، كما أني بحاجة إلى أصدقائك يا عامر، ليشوا بي وينتشلوني من الدمار الذي أنا فيه الآن.. لكنهم لم يشوا بك.. أنا من وشى بك يا عامر، وبعدك سيأتي دور أمي وجيراني.. ومن يسلم علي.. ويستضيفني.. ومن سينقلني بسيارته.. ومن سأشتري من عنده حاجة.. وعندما لا يبقى أحد أعرفه، أو أقابله، أذهب إلى سيناء، ألملم أشلاء أبي، أضعها في سلة وأقدمها إلى سادتي، وقد يختفي جبني وضعفي بعدها، وأضع حدا لحياتي. ومن ثم يضعوني إلى جانبه في متحف يعج بالزوار، ويقول لهم الدليل :
هذان يرقدان هنا من أجل السلام.. أب وابنه.. سقط الأب في سيناء ومات الإبن في ظروف غامضة..
إلا أن شلومو سيقدم المزيد من التفاصيل، فرصته في أشلاء أبي باتت مواتية،
سيقول للزائرين:
هذا الرجل الأشلاء، أب لهذا النذل، فهو يعرفني أكثر من غيره.
إلا أن طفلا، حافي القدمين، ضلّ طريقه بعد خروجه من عشة أهله، بيت الصفيح، في مخيم بلاطة أو من أي مخيم آخر، لم يكن يهمني من قبل أن أحفظ اسمه، سيقف بثيابه المهلهلة، يتفرس وجهي والسلة ويقول لهم :
لا تصدقوه.. هذا.. ويشير إليّ دون أن يكمل جملته.. إبن لهذا الشهيد!
أب لنذل.. إبن لشهيد.. أب لنذل.. إبن لشهيد، أما أنا فلم أعرف بعد من أكون..؟
لكنني، لن أموت، لن أموت.. لن أموت.. فلن يبكيني أحد في هذا المكان.
لم أعدهم بأن أفكر في عرضهم، وقد منحوني وقتا للتفكير به، ماذا لو قلت لهم في تلك اللحظة.. لا أريد.. لا أستطيع تحقيق ما تريدون؟ لكنت وفرت على نفسي كل هذا القلق.
هم لن يرغمونني على فعل شيء لا أريده. طلبوا مني أن لا أتسرع في الإجابة، يعرفون أن عرضهم يحتاج وقتا طويلا للدراسة العميقة، وليس كما اعتقدت أنا، بأنها كلمة واحدة أنطق بها.. أختارها من بين اثنتين، كفيلة بتوضيح ملامح العلاقة بيننا، أنا وهم.. لا أجزم بماذا كنت سأجيب. لو لم يضرب الزلزال الأرض تحت قدمي فجأة ويعيد خلط كياني، ويبعثر حطامي، ينثره في البحر وعلى الشاطيء وحيفا، وأنا الذي كنت اعتقدت بأن ارضي أصبحت بعيدة عن مسرح الهزات والكوارث.ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Hani Abuineim‎‏‏، ‏‏لقطة قريبة‏‏‏

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل