النقد... مقاييس حياة، وليس مقاييس أدب وحسب. كتبه حبيب مونسي.

النقد... مقاييس حياة، وليس مقاييس أدب وحسب.
كتبه حبيب مونسي.
===
يقول العقاد: (من صحح مقياسا للأدب فقد صحح مقياسا للحياة، وخليق بتصحيح مقاييس الحياة أن يكون أمل أمة لا أمل أديب، أو طائفة من الأدباء.) كان العقاد يدرك عميقا مهمة النقد، لا على المستوى المبدع وإنما على مستوى الأمة بأسرها. فالناقد حينما يواجه نصا إبداعيا، لا يرى مهمته تتوقف عند إصدار حكم يقرر قيمة النص أدبيا وجماليا، وما شئنا من التحديدات. وإنما مهمته أيضا أن ينظر في النص لأي أثر في حاضر الأمة ومستقبلها من حيث القيمة. فنظرة الناقد تتجاوز المبدع، وأثره، إلى أثر النص في المنظومة القيمية التي تقيم عليها الأمة كيانها العضوي ووجودها التاريخي. هذه النظرة لدى العقاد تفتح أمام المتأمل بعدا آخر في الوظيفة النقدية، حينما تجعلنا نرى في الفعل النقدي الذي يضطلع به آحاد من المثقفين ضرورة تتمنى الأمة أن تكون موجودة في أبنائها، قائمة بينهم، جارية في أعمالهم وآثارهم. لأنها ستحفظ لها توازنها القيمي، وتضمن لها استمراريتها الحضارية والتاريخية. فالوظيفة النقدية أمل أمة، وليست أمل أديب ينتظر أن ينظر النقاد في أدبه، ولا هي أمل طائفة من الأدباء يشكلون اتجاها أو مدرسة.
سيسارع كثير من المعترضين، زاعمين أن هذا النمط من الفهم سيكرس استمرارية الأوضاع القائمة على ما هي عليه، ولن يسمح بالانفتاح على التجريب والمغامرة، وأن الحياة في جوهرها مغامرة كبرى، يجب أن تتجاوز المقاييس، والمعايير، والحدود. سيقولون: ومن هو هذا الناقد الذي نسلم له رقابنا ليتحكم في سيرنا ووجهته، ويتعالى علينا بسلطانه؟ وغير ذلك من الاعتراضات المسكوكة التي عرفت الحداثة كيف تعلِّبها وتسوِّقها في كتب النقد ومقالاته، التي تباركها الجامعات والندوات اليوم وتدعو إليها بحماس شديد.. لكن الذي يجهله هؤلاء، ويتغاضون عنه، ولا يريدون إبصاره. أن الحديث في الشاهد يقف عند "مقاييس الحياة"، وليس مقاييس الأدب والإبداع. وهناك فرق بين مقياس يخص الأدب، وآخر يخص الحياة. فمقياس الأدب، معيار متحول، يؤكده سياق الإبداع والعصر، وينشئه مطلب التجديد والتجريب، في حدود ما يقبل به الجنس الأدبي المقصود. أما مقياس الحياة فأمر متعلق بالقيم التي تتصل بالأمة، في لونها الحضاري، وصبغتها التاريخية، وآدابها الفردية والجماعية. ومن ثم فالناقد الذي ينتبه إلى أثر النصوص في هذا البعد، ناقد حريص على خصوصية الأمة، وتفردها بين الأمم. فلا تؤتى من قبل فن، أو أدب، أو غيره من الصنائع التي يمكن أن تسيء، أو تحول مسار الأمة.
وصدق من قال: (هناك خُلَّة لا يكون الناقد ناقدا إذا تجرد منها، وهي قوة التمييز "الفطرية". تلك القوة التي توجِد لنفسها قواعد، ولا توجدها القواعد. التي تبتدع لنفسها مقاييس وموازين، ولا تبتدعها المقاييس والموازين. فالناقد الذي ينقد حسب القواعد التي وضعها سواه، لا ينفع نفسه، ولا منقوده، ولا الأدب بشيء. إذ لو كانت لنا قواعد ثابتة لتمييز الجميل من الشنيع، والصحيح من الفاسد، لما كان من حاجة بنا إلى النقد والناقدين. بل كان من السهل على كل قارئ أن يأخذ تلك القواعد ويطبقها على ما يقرؤه. لكننا في حاجة إلى الناقدين، لأن أذواق السواد الأعظم منا مشوهة بخرافات رضعناها من ثدي أمسنا، وتراهات اقتبلناها من كف يومنا، أو تلوثا سُقيناه من كتب غيرنا. فالناقد الذي يقدر أن ينتشلنا من خرافات أمسنا، وتراهات يومنا، والذي يضع لنا اليوم محجة لندركها في الغد، هو الرائد الذي سنتبعه، والحادي الذي سنسير على حدوه.)
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏جلوس‏ و‏نظارة‏‏‏‏

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل