في مدح الدنيا... كتبه/ د.حبيب مونسي

في مدح الدنيا...
كتبه حبيب مونسي
===
أي بني... إني لأعجب من الذين يذمون الدنيا، يلعنونها، يقبحون وجهها، وينشرون شرها في الآفاق، ظانين أنهم بذلك يزيلون سطوتها من القلوب والعقول. وإني لأعجب ممن لم يتفطن إلى أن هذا الذم المقيت، الذي حفلت به الكتب والأشعار، وتداولته الخطب والأذكار، قد جنى على الأمة الإسلامية أيّما جناية. فصرف الناس عن الدنيا، مثبِّطا العزائم، مخذِّلا الهمم، منفِّرا النفوس، حتى غدا شعار الناس الكفاف الكفاف. فتوقَّفت دورة الحياة وتباطأت عجلتها، وأدار القوم ظهورهم للمستقبل. ظانين أنهم بذلك يحققون الفهم الصحيح في دينهم، والهدي القويم في سلوكهم واستنانهم. وما علم هؤلاء وهؤلاء أن الله جعل "الدنيا" اسما يدل به على الزمن الممتد من خلق آدم إلى قيام الساعة، لا يختص بها أحد من الناس، وجعل "الحياة الدنيا" لكل واحد من الناس، فهي من ولادته إلى موته، ومن مات قامت قيامته.
أي بني.. إن الحياة الدنيا هي حياتك وحدك، تلك المسافة من الزمان التي تقطعها في سيرك إلى آخرتك، إما سيرا هنيا، أو هرولة واشتدادا، سعيدا أو شقيا، تحمل أثقالك على كتفيك، أو تحملك أثقالك على رحلها، كما تحمل الإبل هوادجها. وإني الساعة أعجب من يذم المركب وهو الراكب، ومن يسب الدَّابة وهي تسير بين يديه، كيف جهل أن الذي بين يديه هو حياته وحسب. لا شيء غيرها البتة. فإن كان ذاما هو يذم نفسه، وإن كان لاعنا فهو يلعن نفسه. وقد قرأت في موروثنا العربي من فظاعة النعوت وبشاعة الصفات ما يجعلني أعتقد أنَّنا قعدنا في وسط الطريق، وقد أدرنا الظهر للمستقبل. في حين انطلق غيرنا حثيثا إليه، يركبون الآمال، ويسرجون الأحلام، ويرون أن الغد لابد أن يكون أفضل وأجمل من الحاضر.
أي بني.. أكتب هذه الكلمة وفي سمعي صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد هذا الدعاء: " اللهمَّ أَصلِحْ لي دِيني الذي هو عصمةُ أمري، و أَصلِحْ لي دنياي التي فيها معاشي، و أَصلِحْ لي آخرَتي التي فيها مَعادي، و اجعلِ الحياةَ زيادةً لي في كل خيرٍ، و اجعلِ الموتَ راحةً لي من كلِّ شرٍّ" فلا أجد فيها إلا طلبا لإصلاح دين، وآخر لإصلاح دنيا، وثالثا لإصلاح آخرة. وأكتشف أن الإصلاح الأول مرهون بالدين، لأنه الشرعة والمنهاج، والإصلاح الثاني قائم في الدنيا لأنها المزرعة التي تُجرى فيها التجارب، ويستنبت فيها الخير، ويتحقق فيها التَّدين، والإصلاح الثالث واقع في الآخرة، لأن فيها الميعاد مع السعادة والفوز.
ألم تسمع يا بني.. أن الله قال في محكم كتابه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالدنيا دار عمل، تشتدُّ وتيرته مع وضح الهدف، وتحقُّق الوسائل، وبيان النتائج. إنها للحياة الطيبة، وليست للذم واللعن.
وقد رابني يا بني.. أن سلفنا الصالح هو من أسس فينا لهذا الفهم، فتابعناه في الذم دون أن نكلف أنفسنا مراجعة أقواله، وفهم مقاصده. فقرأنا وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثلا: " أغمِضْ عن الدُّنيا عينَكَ، وولِّ عنها قَلبَكَ، وإيَّاكَ أن تُهلككَ كمَا أهلكَت مَن كان قَبلكَ، فقد رأيتُ مصَارعَها، وعاينتُ سوءَ آثارِهَا على أهلها، وكيف عَريَ مَن كَسَت، وجَاعَ مَن أطعمت، ومات مَن أحيت." أن مثل هذه الوصية تتوجه إلى من نظر إلى الدنيا بغير عين الدين، وأقبل عليها بغير قلب المؤمن، وسار فيها بغير هدي المصطفى. فإن فعل كانت الدنيا كما وصف الفاروق ظرفا يحدث فيه الذي وصف. أما أن يحيا المؤمن حياته فأمر مختلف حتما.
أما الذين فهموا عن الله مراده، وسمعوا من الرسول الكريم توجيهاته، ووعوا من الفاروق فحوى وصيته، فقد أدركوا قيمة الدنيا، لأنَّها ظرف وزمن، خاليان من كل إنجاز. يتحتَّم على الواحد منا أن ينجز فيهما "حياته" التي يريد. فها هو ابن خلدون يقول: " اعلم أن الدنيا كلها وأحوالها (عند الشارع) مطية للآخرة، ومن فقد المطية فقد الوصول." فهي المطية التي يجب المحافظة عليها، لأن المُنْبَتَّ، كما قالت العرب، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. ويعجبني يا بني قول شيخنا الغزالي رحمه الله أختم به مدحي للدنيا حين يقول: " هناك متكاسلون في طلب الدنيا. والكسل صفة رديئة، وعبادة الدنيا صفة رديئة، والإسلام يحتاج إلى دنيا تخدمه، وتدفع عنه، وتمد رواقه، فكيف السبيل إلى جعل القلب متعلقا بربه، يملك الدنيا كي يسخرها لخدمته، ويجمع المال والبنين ليكونا قوة للحق، وسياجا يحتمى بهما؟ كيف يتحول ذكر الله بالغدو والآصال إلى مسلك إيجابي فعال، يجعل أصحابه رهبانا بالليل فرسانا بالنهار.".ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏جلوس‏ و‏نظارة‏‏‏‏

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل