رواية واحة اليقين
هاني أبوانعيم
الفصل الرابع

***

مقتل المزارع على كَومة الخضار

"فُقِدتْ أمي، ماتت، قتلت، النتيجة واحدةٌ، غيابٌ عن الأعين،
سكونُ حركةٍ أبدي، تدمير خلايا، عضلات وأعصاب،
تَحلُّلٌ وعودة إلى الطين، وبفعل الجفاف والحرِّ حَفنة من تراب،
والجاني مرصودٌ وموعودٌ بالهلاك والثبور"

***

فُقِدتْ أمي، ماتت، قتلت، النتيجة واحدةٌ، غيابٌ عن الأعين، سكونُ حركةٍ أبدي، تدمير خلايا، عضلات وأعصاب، تَحلُّلٌ وعودة إلى الطين، وبفعل الجفاف والحرِّ حَفنة من تراب، والجاني مرصودٌ وموعودٌ بالهلاك والثبور.
خبرٌ سيتبوأ ساريةً ويعلو قمماً وسطوح أبراج، تتجاذبه عيون المارة دون تمعنٍ في مصير الحبل السُرِّي، وتتهجاه الألسن كتدريب على القراءة دون السؤال عن القاتل، بشراً كان أم سبباً، وتلقيه في مهاوي النسيان.
خبرٌ يزحفُ كحريقٍ جشع في غابة عِشقٍ ومنابت وَلَهٍ، إثر نوبة جنون بعد أن فقد خُصاه، وتوقيت إعلانه لم يحن بعد، ويتوقف على عودتي وبَدء البحث في البيت والمزرعة وكهوفٍ مهجورة وآبار منسية، والسؤال عمن شاهد وسمع وعلم وظن واشتبه، والاستفسار عن أصدقاء ينتفعون وخصوم يحقدون، للوصول إلى نتيجة يتبعها خبرٌ عاجل من جديد، ويسمّى في حالة الأجهزة الرسمية بيانٌ، وفي الصحافة يُروّس بين قوسين بكلمة إعلان.
خبرٌ.. إعلانٌ.. ونتيجةٌ..
واستوقفتني النتيجة فاندفعتُ بدون موعد إلى مكتب الدكتور، بعد أن أُعلنتْ علامات إحدى المواد ولم تكن كما توقعت وَحَسَبت، إلا أن جذوة غضبي انطفأت فور دخولي وبان رمادها بفعل ابتسامة عذبة تلقفتني، ويدٍ ممدودة منه لمصافحتي، أعقبها بدعوتي للجلوس وشرب القهوة السادة.
كلُّ ذلك لم يكبح السؤال عن الانفكاك من عُقدة غضبي، ونتيجتي المتدنية في الامتحان لا تتوافق مع مسيرتي ومعدلي التراكمي المتميز، ولوحة الشرف التي يُدَوّن عليها اسمي في أعقاب كل فصل.
وقد أربك جوابه حواسي ووضعني في دائرة مغلقة بين عبارات المعرفة المحسوسة والفهم الملموس، دائرةٌ لا تُشرَع نوافذها إلا بامتلاك ناصية الوعي الحتمي وسلوك دروب الإدراك المعهود.
تسألني عن النتيجة، وأنت تحملها في الورقة بين يديك! قال
أم أنك تقصد سبباً أعْقَبَتْهُ تُداريه، وتحرص على عدم ولوجه لأنه المسؤول عما أنت فيه؟
"لكنني أجبت على تسعة من أسئلة عشرة"
قلت لنفسي ونظرت إلى الورقة في يدي
.. النتيجة متدنية، والسبب إخفاقك في اختيار الإجابة المقصودة، واحسِبْها كما تريد بالقلم والدفتر، فلا نتيجة بدون سبب يتحكم بماهية ما تبغي الوصول إليه وترتئيه، وقِس على ذلك في كل ما نجحت أو أخفقت فيه حتى الآن، وخذ بالأسباب فهي ولادة طبيعية للنتائج.
استدْرَكَ وأوضح بأنه لا يحاضر أو يستحضر أفكارا ولا يغرِسُ مفاهيم، بل يسعى للإفادة والاستفادة ويرغب بالمزيد من العلوم والمعارف، من خلال الحوار مع الجادين في فهم حيواتهم وثبات خطواتهم، حيث وجدني واحداً منهم برأيه، وإن كنت أراه حواراً أحادي الجانب يقتصر عليه فحسب، وأنا في موقع المتلقي والمومئ برأسه عُلواً وهبوطاً.
السبب أولاً ودائما وتعقبه النتيجة حتما، تابع قائلاً:
فلا بلل دون ماء ولا ولادات دون نكاح ولا فيضانات دون أمطار أو زلازل، ولا علامات جيدة دون إجابات صحيحة.
تناول الورقة من يدي وأشار إلى ملاحظة بخط واضح أعقبت السؤال الأخير مباشرة ودعت للإجابة على العاشر فقط، وهو ما لم أجاوب عليه بسبب نفاد الوقت، مما يعني أنني أستحق الصفر، قلت لنفسي وخِلتُ ال 90% تكفيني. وكنت على وشك مقاطعته وسَردِ أمثال لا تتوافق مع ما جاء به، وفعلاً فعلت.
ضربت مثلا تجربة زميلي، الذي أحاط بالنتيجة دون العمل بأسبابها، حيث حصل على رخصة قيادة السيارة وهي نتيجة في عُرفه بدون تدريبٍ يكون سبباً لها، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة رضا لنجاحه باستدراجي للمشاركة في الحوار، وضَربَ الطاولة بيد خجولة، وقال:
هناك سببٌ ولكنه غير شرعي، إلا أنه مؤثر وفعال..
الواسطة أو الرشوة أو التأثير، بل قل خيانة الأمانة والتزوير..
تلوي عنق الأسباب الموضوعية والصحيحة، وتمنع الوصول إلى نتائج حقيقية طبيعية وهادفة. صحيحٌ أنه أغفل التدريب والتعلم كسبب، واستعاض عنه بآخر، وهو الخروج على قانون ناظم، للاستئثار بنتيجة ستكون سبباً في وقوع كارثة لا يحمد عقباها، وقد يكون هو نفسه بعض أو كل ضحاياها.
كومة غباءٍ كُنتُ، أم في دركٍ من الجهل أعيش؟
وما عاد ينفعني اللوم وتقريع النفس، حشرتُ جسدي في الكرسي أتدارى خجلاً من معرفة اعتقدت أنني أمتلك نواصيها، ثُبتُ إلى نقد الذات بعد أن امتهنَتْ خطواتي السير إلى الأمام وأعتَقتْ الرجوع إلى الخلف..
خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الأمام أيضا ما آلت إليه مسيرتي، واتخذته منهجا في حياتي.
والدكتور منشغلٌ بخزانة كتبه وجواريرها موحياً البحث عن شيء مفقود، مانحاً الفرصة لي للملمة ما تشظى من اعتدادي وتناثر من سوء فهمي وجهلي، عاد وركن إلى كرسيه قريباً مني وأنا أبحث عن كلمات تنقلني إلى مخرج آمن، وإن كنت بحاجة إلى جرار زراعي يحملني ويبعدني، فلا الاعتذار ينقذني ولا حُجة لي تبقيني، وكانت هي المرة الأولى التي أدخل فيها إلى مكتب واحد من أساتذتي، ولم أكن بحاجة للقَسَم أن لا أكررها من جديد.
أخرجني من مستنقع الندم والخجل الذي رميت نفسي فيه، وأعاد السكون إلى روحي المضطربة وهو يذكِّرني بأن الجميع هنا للتعلم واكتساب المعرفة والسباق للفوز بواحد من مفاتيح بوابات الحياة العديدة، الموصدة بإحكام، وإذا ولج من واحدٍ قد يعاود الكَرّة من جديد وينافس للظفر بمفتاح آخر، وهو حقٌ كونيٌ مشروعٌ، بَذلُ الجهد ودراسة الظواهر الطبيعية والاحتكام إلى قوانينها ما ظهر منها وما بطن، ومن ثم قياسها ومقارنتها وتطبيقها ذهنيا قبل الانتقال فيها إلى أرض الواقع، وشدّد على أن تكون التجربةُ نظرية محضة، وإن أمكن في الخفاء دون المجاهرة بها وإشهارها على الملأ، حتى لا تترك أثرا مريبا، وكي لا يعدم المرء مبررات وجوده أو يبقى رهين الهوامش هبةُ ريحٍ تقتلعة وزوبعةٌ طارئة تحتويه.
فاجأني بأنني محور حديثه وبعض الأساتذة الآخرين، وطلبة من الجنسين يترددون على مكتبه في أحيان كثيرة، ولم أكن أتوقع أن أحدا سوى بعض زملائي قد حفظ اسمي أو أعارني اهتماما لأسباب عديدة، في مقدمتها ونهايتها، إنني لا أتحدث عن نفسي بالمطلق ولا أشارك بحوار يتناول معلومات شخصية أو يتحدّث بالخصوصية، وتقتصر علاقتي على قِلّة منهم، ولا أتواجد في الساحة إلا ما ندر، في حالة اعتذار مدرسٍ فجأة عن محاضرته، أو عندما أكون في طريقي إلى المقصف لتناول لقمة أو فنجان من الشاي، ومنهمك بدراستي وقراءة كُتب في حقول متنوعة، سمعتُ من المختار بعض عناوينها في مجادلاته مع الأستاذ، فبحثت عنها واقتنيتها، وأواظب على التواصل مع أمي وأهل بلدتي كلّما سمحت ظروفي ببعض الوقت، دونها أبقى رهين المكتبات في الجامعة وشومان والأمانة بعد أن عرفت الطريق إليها، ومن ثم أعود إلى غرفتي وأطلق العنان لخيالي.
أذهلني وهو يعدِّد مواصفات ليست بي، باستثناء محاولتي التفوق في دراستي والتخرج بتميز وزمنٍ قياسي قصير، وإذا بي الوحيد من أبناء الأثرياء الذي لا يوصي عليّ أحدٌ أو يتدخل بنتائجي مسؤول، وأتفوق بجهودي الذاتية، وإنّ لي تأثيرا ونفوذا على من هم حولي، ويسعى كثيرٌ من الطلبة للاصطفاف إلى جانبي وكسب مودتي، دعاني للاستفادة من هذه الشعبية وخوض غمار معركة الانتخابات الطلابية. كما يحاول أساتذة التقرب مني يمنُّون النفس بزيارتي لهم في مكاتبهم، يتوقعون وينتظرون، واعتبرَ نفسه محظوظا لأنه سجل سبقا غير متوقع عليهم.
فوجئت وضحكت وكدت أقهقه دون أن أبدو بأنني أُسَفِّهُ حَديثه، فهو أستاذي وأُجِلُّهم جميعا ومكانتهم الغالية راسخة في قلبي.
قلت ولم أكن أدفع بتهمة..
إذا كانت السيارة سمة ثراء فمئات غيري يمتلكون مثلها بل أحدث منها بسنوات، بمن فيهم الحارس على البوابة الخلفية للجامعة، وصاحب الكشك أمام البوابة الرئيسية، وما بعثتي إلا لانطباق مواصفات المناطق الأقل حظا على مدرستي.
لم أشأ الحديث عن مقتل والدي قبل ولادتي بعدة أشهر، ولا عن وظيفة أمي وعملها براتبٍ محدود في المدرسة ومقارعة الصغار، وإشرافها الدائم على مزرعة بحجم ملعب صغير، لا أدخن ولا أعبث، أحضر أفلاما نوعية في السينما كلما علمت وبعض أصحابي بعرض جديد، أُقدِّسُ قروش أمي وأشتمّ رائحة عرقها وأتحسّس لُزوجته كلما هممت بإنفاق فلس دون مبرر، أو في باب قد لا ترضى عنه دون أن تغلق بابا في وجهي، بل هي من تفتح لي أبوابا لم أرها من قبل وكأنها ظفرت بعدة مفاتيح، وقد أصرّت عليّ أن أقتني سيارة رغم عدم حماسي، وحثّتني أن أسكن قريبا من الجامعة رغم غلاء الأجور قياسا بجبل النظيف دون مشاركة مع أحد..
"تستضيفهم ليش لأ ويذهب كل إلى بيته لتستريح وتدرس وتتفوق".
من أسرة ثرية صُنِّفتُ وكل أسرتي أُمي وأنا، لا أعمام أعرفهم ولا أخوال يسألون عنا، وأبي داهمته قذيفة من غرب النهر في موسم سكون وثمر، أثناء قيامه وبعض النسوة والعمال بتعبئة صناديق الخضار، بعد أن فرغوا من قطفها صبيحة ذلك اليوم المشؤوم.
وأضاف المختار وهو يحدثني، إنهما اتفقا على أن يسرح الفريق قبل مطلع الفجر إلى المزرعة، لأن الطلبية مبيعة بكاملها لتاجر جديد فَتَح خطّاً للتصدير إلى دولة استقلّت حديثاً في الخليج العربي، وفعلا طاف على النسوة والصبايا اللواتي يعملن معه وقال، إن يومهن سيكون مباركا وحافلا بالخير، ولن تقتصر أجورهن على ما يملأن به الأوعية من الخضار فحسب، وإنما سيقبضن قروشا وتعاريف، فالحِمْلُ مبيعٌ بالكامل والدفع حالاً دون تأجيل، ولا نحتاج إلى دلّالٍ أو تاجر تجزئة يشتري صندوقا من الخيار وصندوقين من البندورة، وقد نستأجر سيارة "بك اب" أخرى تساعدنا في نقل الكمية المطلوبة، فالطريق صعبة إلى عمان والسيارات تزحف بمشقة وهي تصعد طريق العارضة محملة بالأوزان، وقد لا يكون بمقدور والدك أن يُفرِّغ سيارته ويعود للتحميل مرة أخرى في نفس النهار.
أنهينا القطف..
تابع يروي ما حصل
كانت النسوة يفرغن أوعيتهن في أكوام مختلفة، الخيار والبندورة والفلفل والباذنجان والكوسا.. على مفرش في ظل السيارة تحسبا لأشعة شمس نعرف أنها ستطل في كل لحظة ونحن في مزرعة خضار لا أشجار فيها أو ظلال، وهو يقوم بتصنيف الخضار وتعبئتها في الصناديق، ويحرص أن يكون ما في القاع كما هو حاله في الأعلى..
أول الصندوق كحال آخره
وهي طريقته في العمل التي يصرّ على تسميتها أصول الأمانة في البيع والشراء، لم يحبذ استعمال كلمة تجارة أبدا، ويردد على الدوام، إنني مزارع،
.. انتهى الجميع من القطف وجلسنا لتعبئة الصناديق وأنا معهم، رغم أن دوري في العمل يقتصر على تأمين العاملات والبحث عن مَزارع للضمان، أو شراء محصول على أبواب قطاف، وقد كان رحِمَه الله منصفا معي، لم أطلب منه يوما تحديد أجرتي بل قُل عمولتي، ويدفع لي دائما ما يفوق توقعي.
كنا في عجلة من أمرنا، ونحن نقوم بتعبئة الصناديق ورفعها أولا بأول إلى ظهر السيارة، وهو يراقب التعبئة ويحثُّ على اختيار الأفضل، ويطلب أن يراعي من هو في الأعلى أصول الترتيب، حتى لا تخدش وجوه الخضار أو تصاب برضوض، ويقوم هو بمناولته إياها، ويوزعها حسب أنواعها، وقوته الجسدية تساعده، وإذا بقذائف مفاجئة من الجائر غربي النهر، تمطُر المزارع والأحياء السكنية، سقطت إحداها على السيارة مباشرة، دون سبب لها أو سابق إنذار، بعد سنوات من الهدوء وعودة الحياة، إلى بقعة شهدتْ من قبل حروبا ومناوشات وإطلاق قذائف وغارات، تُوِّجت بالنصر وهزيمة الغازي في معركة الكرامة، حيث كنت أتواجد فيها وأعرف كل تفاصيلها.
اشتعلت النيران في ما تبقى من السيارة وتطايرت بعض أجزائها، وحملتني وغيري من العاملات قوى خارقة، وقذفت بنا في اتجاهات متعددة من محيط ما تبقى من كومة الخضار، حيث تبعثرت الصناديق في كل اتجاه، وذهبتُ في غيبوبة مؤقتة صحوتُ بعدها تحت شجرة برتقال في مزرعة مجاورة، وأحدهم يرُش الماء على وجهي ويلطمني بكفيه، حاولت أن أتحسس آلاما في ساقَيّ ولم أستطع الوصول إليهما، لخَدَرٍ في ذراعي، سمعته يهنئني على السلامة ويحمد الله، سألته عما حصل محاولاً استحضار ما قبل غيبوبتي، وكانت الأرض ما تزال تَميدُ بي وعيناي مشبعتان بالغَباش، فبكى وهو يقول:
مات عمران الزين وعامل مصري وثلاثٌ من عاملات القطف ونقل المحصول، وأصيب عددٌ آخر بجروحٍ وكسور وحروق، ولا أعرف بعد عن الضحايا في صفوف المواطنين.
عرفْتُه، إنه عامل في مزرعة مجاورة، ساعدني وآخرون قدموا تباعاً على النهوض ووضعوني في سيارة قريبة، بعد أن اطمأنوا إلى أنني بخير، وأصابتي ليست خطيرة، ولم أكن في واقع الأمر كما شخّصوني عليه من حال، فقد شقّني خبر وفاته إلى نصفين، الأول ما بان لهم من إصابتي، والآخر ما أحدثه النبأ من شلل في الجزء الخفي من نفسي وروحي، وانطلقوا لمساعدة آخرين على مقربة من الحطام، ونقل المصابين إلى السيارات والجرارات المتوقفة على مقربة، وكانت الجثث قد نقلت في سيارة إسعاف عسكرية وصلت على عجل.ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Hani Abuineim‎‏‏، ‏‏لقطة قريبة‏‏‏