موت المؤلف وأصناف القراء
/نورالدين السد
مقولة موت المؤلف في النقد البنيوي والتفكيكي جاءت في ظروف تاريخية وأسيقة ثقافية أصبحت جزءا من المعرفة الإنسانية في تنوعها وتراكمها ، وعرفت انتشارا واسعا في الفلسفة والنقد الأدبي من نتشه مؤلف كتاب موت الإله إلى رولان بارت ، وجاك دريدا في معظم مؤلفاتهما ، ومقولة موت المؤلف كلام مجازي، وظرفي ، يراد به عدم التركيز في تحليل الخطاب على نفسية المؤلف وسيرة حياته والعوامل الاجتماعية والثقافية والنفسية والاقتصادية والأحداث المؤثرة في شخصيته وفي إبداعه ، وسلب السلطة من المؤلف الذي كان محور أغلب الدراسات السياقية بدل دراسة النص في ذاته وتحليل مكوناته البنيوية والوظيفية ، وقد كان المؤلف مدار اهتمام الدارسين والنقاد في تحاليلهم ، إذ يركزون على تحليل سيرة حياة المؤلف والظروف المحيطة به أكثر من تركيزهم على تحليل النص في ذاته ، وهذا الاتجاه أقصد اتجاه النقد النسقي سعى إلى تمكين النص من سلطة سلبت منه زمنا طويلا ، وإعادة الاعتبار لتحليل النص وتفكيك شفراته وعلاماته ، وانتقل التركيز على النص من النقد النسقي البنيوي والتفكيكي إلى التركيز على القاريء وإنتاج المعاني من النص المقروء ، ويكون القارئ في الإتجاه الذي يركز على بناء المعنى وإنتاجه حسب نظرية القراءة قارئا مشاركا بفعالية في تحليل الخطاب و بناء المعاني وإنتاجها، ورائد هذا الاتجاه رولان بارت ، وتطور هذا التوجه إلى تأسيس نظرية القراءة والتأويل في مدرسة كونستانس مع روبار ياوس وولفغانغ إيزر كما أنجز في هذا السياق ميخائيل ريفاتير ، وامبرتو إيكو ، وسواهم ..
والقارئ عند رولان بارت منتج للنص انطلاقاً من تعريفه ( النص ) الذي يراه يتشكل من عدد لا نهائي من الشفرات والعلامات والنصوص والمناصات ، ولذلك يصنف القراء اعتمادا على التحليل اللساني- النفسي إلى أربعة أصناف :
1 - القارئ الفيتيشي Le lécteur fetishiste : نسبة إلى fetishism وهو الذي يتلذذ بمناطق معينة في جسد النص، وتستغرقه متعة التأمل والتفكير في تكوينه، ويتفاعل مع المقروء إلى أبعد حدود التفاعل والتماهي والاندماج فيه ، فينتج من ذلك قراءة ماتعة تجعل من الجزء كلا مهامها؛ يكون مصدرا للذة والابتهاج وإنتاج المعاني، و الفيتيشية اقتبسها رولان بارت من التحليل النفسي المتعلق ممارسة النشاط الجنسي القائم على توثين العلاقة بين الشريكين ، وانسحاب هذا المفهوم إلى علاقة الإثارة واللذة بين القارئ والنص ؛ والفيتيشية انحراف جنسي ونفسي قوامه إشباع الرغبة الجنسية عن طريق الانجذاب إلى ‏أجزاء من الجسد ، أو إلى شيء من أشياء الشريك للحصول على الإثارة والمتعة ، ويسقط رولان بارت هذا التحليل على القارئ والمقروء واللذة النصية الحادثة من العلاقة بينهما .
2 - القارئ الهستيري Le lecteur hystérique نسبة إلى ( hysteria ) : وهو الذي يغرق في دوامة لغة النص وشفراتها ومكوناتها وأبعادها التي لا حدود لها. والهستيريا Hysteria مرض نفسي عصابي تظهر فيه اضطرابات انفعالية مزمنة ، تحدث لدى الهستيري بهدف الهرب من القلق أو من موقف مؤلم أو من اضطراب نفسي بدون أن يدرك الدافع لذلك ، وقد وظف رولان بارت مصطلحات من التحليل النفسي، ووصف بها أصناف القراء .
3 - القارئ المهووس ( mainomai ) : وهو الذي يتلذذ بإنتاج خطاب مواز للنص المقروء، وهو بهذا المعنى يكون سيميائيا و ناقدا ولغويا وموسوعيا ، والهوس هي حال من الانفعال والإثارة يرتفع فيها المزاج ، وتبدو فيها مستويات الطاقة عالية ، بالإضافة إلى اضطرابات المزاج بسبب نوبات من الاكتئاب الشديد ،والهوس قد يرتبط بالمواهب الفنية، والإبداع الأدبي والفنون التشكيلية والإخراج السينمائي والقراءات النقدية، كما يتجلى الهوس بأمور أخرى ، ولا يخفى أن رولان بارت قد وظف هذا في هوس القارئء بالمقروء ، كهوس العاشق بمعشوقته وإسقاط مفهوم اللذة عنده مقرون بها ولا يخرج عن إطارها .
4 - القارئ البارانوكي paranoia : وهو الذي ينتج من قراءته نصا هذيانيا يذهب فيه كل مذهب انطلاقا مما توحي به شفرات النص المقروء ، وطرائق تشكيلة وقدرته على الإيحاء، والبارانوكيا Paranoia مرض نفسي مزمن يتسم عادةً بالأوهام و اللاعقلانية، وهي أفكار مسبقة قائمة على سوء النية ، ويعتقد القارئ أن النص لا يخلو من مؤامرة ، ويقرأ النص ويفسره كما يقرأ سلوك الآخرين ،وكل تفسير عنده يكون تفسيرا متسقا مع هذا التوجه والاعتقاد .
وقد تجاوز رولان بارت مقولة ( موت المؤلف ) إلى طروحات فكرية ، ومقترحات منهجية أكثر شمولية من خلال تحليل الرموز والعلامات والشفرات السيميائية في الحضارات الإنسانية ، وثقافاتها وقيمها وانماط تفكيرها وأساليب عيشها وطرائق تعاملها مع رموزها ، وأما تحليل النص القرأني وفق التوجه القائل بتجاوز دراسة منشىء الخطاب ، وهو التوجه النسقي ؛ أقصد البنيوي الذي يركز على النص في ذاته ؛ فهذا ممكن ، وهناك دراسات أكاديمية تطبيقية متخصصة في هذا المجال ، مع تجاوز كلمة ( موت المؤلف ) التي تثير حفيظة من لم يتمثل خلفية هذا الاتجاه النقدي في تحليل الخطاب بأنواعه ، مع العلم أن تطببق النقد النسقي البنيوي والتفكيكي والسيميائي والتأويلي على نص قرآني يعفي المحلل من البحث في الذات الإلهية ، بقدر ما يركز على تحليل مكونات الخطاب في ذاته ، والبحث في شفراته وخصائصه الأسلوبية ومكوناته البنيوية والسيميائية ، و أبعاده الوظيفية والتداولية والدلالية وتأويل مكوناته وبناء معانيه ، بدل البحث فيما هو خارج النص ، كالحال النفسية والاجتماعية والثقافية للمؤلف ، بل لابد من دراسة هذه الأحوال في البنية النصية للنص ذاته ، وليس خارجه إلا بما يدعم التحليل ويمكن من انتاج المعاني ويقرب الفهم والإدراك ، ولذلك تركز المناهج النسقية من دراسة الشخصيات والمسارات والبرامج السردية ضمن الخطاب ذاته ، مع تحليل السمات الأسلوبية من الهندسة الصوتية وتشكيلها ، وطرائق توزيعها في ثنايا النص، وتحديد مخارج الأصوات وصفاتها ، وضبط دورها الوظيفي في التبليغ ضمن الأنساق المعجميه ، وحقولها الدلالية ، و التركيز على التراكيب البسيطة والمركبة ، وما يتفرع عنها من ثنائيات ضدية و استقراء الآليات والأدوات التي تعمل على تحقيق الاتساق والانسجام والتكامل في بنية الخطاب ، وما يتولد عن ذلك من معان ومقاصد وأبعاد وظيفية وجمالية ،
وإن كانت المناهج السياقية قد جربت في التحليل والتفسير والتأويل عند البحاثة القدماء من العرب والعجم ، وتناولوا من خلالها الظروف التاريخية، والشروط الموضوعية التي تم في سياقها نزول الرسائل السماوية وأسباب النزول وغاياته ، وبالنظر إلى مميزات الخطابات الدينية، وطرائق التشكيل اللغوي والأسلوبي والتداولي في القرآن الكريم، والكتاب المقدس بهديه؛ التوراة والإنجيل، وفي الفيدا وما تضمن من تعاليم "الحكيم بوذا " والفيدا كتاب وضعي تضمن تعاليم "الحكيم بوذا" وهو ليس نبيا، ولم يدعي النبوة، وإنما أتباعه بالغو في التقديس، والتشدد إلى أن صارت هذه التعاليم والحكم والمقولات والتأملات بمثابة الدين ، والطابع الإبلاغي والحجاجي والتربوي الشامل والغايات التي يهدف إليها، وهي توجيه الناس ليعيشوا وفق نظام عقدي، وحدود تشريعية، وضوابط أخلاقية ، وقد وظف لبلوغ هذه الغايات أساليب لغوية، وأفانين بلاغية جمعت بين الإخبارية والإنشائية وبين خصائص النظم، وسنن اللغة وطاقاتها وامكاناتها ومميزاتها الفنية والجمالية والإبداعية . ومثلما استعملوا المناهج السياقية، وظفوا مختلف العلوم والمعارف اللغوية وغيرها في إنتاج المعنى من الخطاب الديني، استعملوا المناهج النسقية كذلك ، ولعل طبيعة الخطاب الديني وخصائصه الأسلوبية والسيميائية؛ هي التي جعلت منه خطابا حمال أوجه، ومطواعا وموحيا ومنتجا للمعاني. وهناك أصناف من القراء جاء ذكرهم في " نظرية القراءة" و"تأويل الخطاب" عند عديد الفلاسفة، ومنظري تحليل الخطاب، وقد أشرت إلى بعض هذه الأصناف من القراء في منشورات سابقة وفي كتابي "الأسلوبية التأويلية" ، كما أشرت إلى ذلك في كتاب " الأسلوبية وتحليل الخطاب" ، صادر عن دار هوية سنة 1997 في جزأين، وكتاب "الشعرية العربية" صادر سنة 1995 ديوان المطبوعات الجامعة الجزائر في جزأين . وكتاب "الأسلوبية في النقد العربي الحديث" ، صادر عن الجامعة الأردنية سنة 1990/

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏نورالدين السد‏‏، ‏‏بدلة‏‏‏